هيثم حقي: تطوَّرَ حاملو كاميرات الهاتف النقال ليسجلوا لحظات يصعب حتى على المحترفين التقاطها – راشد عيسى

Article  •  Publié sur Souria Houria le 18 novembre 2011
ليس مخرجاً سينمائياً وتلفزيونياً فحسب، ولا معلماً لجيل من المخرجين التلفزيونيين فقط، فهو كان دائماً في قلب سجال وجدل نظري، قولاً وكتابة، غالباً ما كانت أعماله التلفزيونية هي الشرارة في تلك السجالات. لكنه مشغول بالتأكيد، حتى بعيداً عن تلك الأعمال، بـ«صراع من أجل الديموقراطية»، و«التأكيد على فكرة النهضة المجهضة» كما يقول في هذا الحوار، لذلك لم يكن صعباً أن نحزر موقعه إزاء الثورة السورية، وهو رافقها منذ البداية كتابة ونقاشاً، خصوصاً على صفحته على الفيسبوك. هيثم حقي، المخرج السوري، أو كبير المخرجين التلفزيونيين السوريين كما درج النقاد على وصفه، لم يكن هذه المرة، خارج هذا السجال التاريخي حول الديموقراطية والمواطنة وبناء الدولة المدنية

من الواضح، كما ظهر في عدة مقالات لك، أنك تقف إلى جانب الثورة في سوريا، هل وجدت نفسك تندفع تلقائياً إلى هذا الموقف مع اندلاعها، أم أن هناك نقطة ما دفعتك لهذا الانحياز؟ عند أي موقف أو صورة، حدث ذلك؟

منذ اللحظة الأولى وجدت أن ما أحلم به طوال سنين بصفتي ديموقراطياً اجتماعياً، يدعو إلى دولة ديموقراطية برلمانية تعددية بمواطنة متساوية أمام قانون يعدل ليصبح عادلاً، لديه فرصة أن يتحقق. وقمت على صفحتي في الفيسبوك، كما تذكر، بإعادة نشر مقالي القديم بعنوان «الإصلاح والمعارضة الديموقراطية»، الذي كتبته عام 2004 داعياً إلى دعم معارضة قوية كشرط أساسي للإصلاح. ثم نشرت مقالاً بعنوان لقطة مقربة من المشهد العام في سوريا، قلت فيه إننا مختلفون على معاني شعار: «الله، سوريا، حرية» . لكنني دعوت إلى أن تكون صناديق الاقتراع هي الفيصل في اختلافاتنا الإيديولوجية بواسطة البرامج التي يختار منها الشعب السوري من يحكمه. ومع تطور الأحداث نشرت مقالاً يحدد 13 نقطة للتحول من نظام الحزب الواحد إلى دولة ديموقراطية تعددية برلمانية بتغيير الدستور وإنهاء الحل الأمني والوصول إلى دولة المواطنة المتساوية. وأعتقد أن هذه النقاط لا تزال مع غيرها من النقاط التي أثارتها المعارضة هي النقاط التي تفتح الطريق أمام حكم الشعب السوري عن طريق الانتخابات الحرة النزيهة وتداول السلطة.
أما الصور التي حددت موقفي فهي كثيرة، أولاها صور درعا، ثم جاء التحرك الشعبي الواسع ليبعث بي الأمل مجدداً

 أي الصور بالتحديد تركت الأثر الأقوى لديك؟

«لغة الصور» في الانتفاضة السورية وتطورها تحتاج لبحث عميق لا بد أن مختصين سيدرسونه، وسيدرسون الإبداع الشعبي وتطوره يوماً بعد يوم، خاصة مع ملاحقة الأمن لملتقطي الصور ومرسليها للفضائيات. بالنسبة لي منذ اللحظة الأولى أدهشتني الوسيلة الشعبية البسيطة بالتعبير وإيصال الصوت والصورة. فمنذ صور الجامع العمري، إلى الصورة التي هزت العالم لحمزة الخطيب، كنت قد انحزت إلى خيار الناس ومطالبهم. لكن أكثر ما دفعني إلى الثقة بالشعب السوري وانتفاضته هي صور تظاهرات حماة. ثم جاءت صور دير الزور لتهزني بقوتها وجماليتها، خاصة بسبب علاقتي بالفرات وبدير الزور والميادين، حيث لا يزال يعيش أهلي وأقربائي، وحيث أمضيت طفولتي. وقد عبرت عن إعجابي بصور ثورة الفرات من خلال المشاركات اليومية على الفيسبوك، والتي كان الكثيرون يعلقون عليها. وهكذا مع تراكم الصور وجدت نفسي منحازاً تماماً للناس وإبداعهم في التعبير عن رغبتهم بالتغيير

كيف تفسر هذا التردد، أو الانحياز للنظام، لدى عدد من المثقفين أو الفنانين؟

هذا سؤال بدأ رفعه أثناء حرب أميركا على العراق. وقد كتبت حينها مقالاً استفدت فيه من مقولة للينين تقول «المثقفون ينتمون إلى الطبقة التي يخدمونها». وأعتقد أن الفكرة لا تزال صالحة. لا موقف موحداً للمثقفين فهم يتخذون مواقفهم حسب انتماءاتهم الفكرية وأحياناً الإثنية أو العقائدية. لكن لكي لا نظلم المثقفين والفنانين السوريين فأعتقد أن غالبيتهم أيدت التغيير، والتحول إلى دولة ديموقراطية تعددية. وبيانات الفنانين الأولى (تحت سقف الوطن). وبالطبع النداء المبكر والجريء للسينمائيين السوريين، ثم «بيان الحليب»، كلها دلّت على موقفهم الحقيقي. وحين أجبر البعض على التراجع ظهرت مجموعة أخرى أكثر وضوحاً في وقوفها مع الثورة. والأسماء كثيرة وأصبح الشارع يعرفها. وبعضها لوحق وسجن. وبعضها لا يزال يجترح معجزات الجرأة المثيرة للإعجاب

حرب البيانات

وبالمناسبة كيف تنظر إلى توزّع السينمائيين السوريين بين بيانين، موقفين وجماعتين؟

«بيان سينمائيي الداخل» برأيي معيب، فقد أراد أن ينفذ من ادّعاءٍ يتعلق بتوقيع سينمائيين إسرائيليين على نداء السينمائيين بعد نشره وتوقيع ما يزيد عن سبعمئة سينمائي عالمي لهم وزن كبير في السينما العالمية. وبالطبع ليس للسينمائيين السوريين الشجعان، الذين وقعوا طلب نصرة السينمائيين العالميين لقضية شعبهم العادلة بالتطلع نحو الديموقراطية ووقف سفك الدم، أي علاقة بهذا (الادّعاء)، فبعد أن ينشر أي بيان عالمي على صفحة البيانات في الانترنيت يستطيع أي شخص أن يزيد توقيعه. ولا علاقة طبعاً لمصدري البيان به
وبالنسبة لمن سمى البيان الآخر بـ«بيان سينمائيي الداخل»، أعتقد أنه ارتكب خطأ جسيماً بحق السينما السورية وممثليها الأبرز الذين كانوا ولا يزالون سينمائيي سوريا الذين حملوا اسمها في كل المحافل الدولية وقدموا أفضل الأفلام السورية بشهادة كتابات وتصريحات العديد من موقعي هذا البيان المعيب، وأفلامهم تميزت دائماً بوطنية لا لبس في موقفها الشديد العداء للعدو الصهيوني وفي نصرتها القضية الفلسطينية العادلة. هذا عدا أن موقعي بيان السينمائيين السوريين لحشد نصرة السينمائيين العالميين، يعيشون بغالبيتهم في الداخل ويعانون من التضييق والإقصاء ما يكفي لتزاد عليها تهمة أمنية ملفقة تصل عقوبتها إلى سنين من السجن

هل تجد أن مواقف بعض السينمائيين المساندة للنظام تستلزم مراجعة ما لأفلامهم؟ هل تستدعي موقفاً حتى من أفلامهم؟

أفرق كثيراً بين إنتاج المبدع ومواقفه الشخصية، وهناك رسائل شهيرة بين ماركس وإنجلز حول بلزاك تفيد بهذا المعنى. حيث إن بلزاك كتب مجموعة من روائع الأدب العالمي (الكوميديا الإنسانية) التي رآها ماركس فضحاً للبرجوازية الصاعدة، بينما كان لبلزاك موقف رجعي مع الملكية ضد حركة التاريخ. بالطبع ليس بين من سموّا بـ(سينمائي الداخل) أي بلزاك، لكن الشيء بالشيء يذكر

أنت اليوم في باريس، هل تعتبر ذلك تجنباً لمضايقات أو اعتداءات محتملة؟ هل واجهت تهديدات بالفعل؟

باريس هي المدينة التي اخترت أن أعيش بها سنوات حياتي الباقية. فأنا هنا أعيش الجو الثقافي الذي أحلم به. أشاهد أحدث الأفلام والمسرحيات، وأتابع الحركة الثقافية العربية والعالمية دون معوقات. وقد دأبت في السنوات الأخيرة على البقاء فيها فترات بدأت تطول كلما سنحت لي الفرصة. خاصة أن إدارة الشركة أصبحت ممكنة بوسائل الاتصال الحديثة وبوجود أشخاص أثق بهم كثيراً يتابعون العمل في سوريا. وحين كان يحتاج الأمر كنت أقضي وقتاً قي سوريا لتسيير العمل والعودة إلى باريس. وقد انتقلت للعيش هنا منذ سنة ونصف تقريباً. لكنني قضيت الأشهر الثلاثة الأولى من الثورة في سوريا. ولم أتعرض لمضايقات من السلطة، لكنني تلقيت تهديدات في الآونة الأخيرة من مغالين في الموالاة. وقد دفعني ذلك للبحث في قضية المغالاة في الموالاة حيث نشرت مقالين عن الموضوع، أبحث فيهما عدم قبول المغالين في الموالاة ما يردده النظام ليل نهار بالإصلاح والتحول إلى نظام ديموقراطي تعددي. وأكبر الأمثلة بالنسبة لي كان بيان المؤتمر التشاوري الذي رأسه نائب الرئيس وبتكليف من الرئيس نفسه، حيث أشار بوضوح في الفقرة الأخيرة إلى «أن توجه اللقاء هو من أجل إقامة دولة الحق والقانون والعدالة والمواطنة والتعددية والديموقراطية التي تعتمد صناديق الاقتراع أساسا للتفويض السياسي». لذا اعتبرت التهديدات التي تشتمني لأنني أريد «دولة مدنية ديموقراطية» أحد أمرين؛ إما أنها تصدر عن أناس يخالفون النظام في ما يقوله. أو أنهم يعلمون الحقيقة أكثر منا في الفرق بين الأقوال والأفعال

لا بد أن هناك لحظات اشتهيت معها أن تكون على الأرض؟

أنا شخص عاطفي. ودمعتي سخية كما يقولون. فلا العمر ولا الجسد، وخاصة القلب المتعب، تسمح بمشاركة الشباب فعلهم الرائع. وقد استعرت من أغنية روسية جملة تعبر عن حالي «ليكن خريف عمرنا ربيعاً لأبنائنا». لكن اللحظات الكثيرة التي أحسست أنني هناك على الأرض، فهذه الثورة أظهرت شجاعة الشعب السوري العظيم، جعلتني يومياً أفتخر بانتمائي إليه.

السينمائيون الجدد

مرّ موسم درامي رمضاني أثناء الثورة السورية، أو في ظل الربيع العربي عموماً، ما الذي لفت نظرك في هذا الموسم من متغيرات؟ هل تجد أن هذه الأشكال من الفرجة ما زالت صالحة للتعبير؟ ها نشهد اليوم أشكالاً درامية سورية لهواة تنشر على اليوتيوب؟

بصراحة لم أتابع أي عمل درامي خلال رمضان الماضي، وهي المرة الأولى منذ سنين طويلة، فعادة أتابع غالبية الأعمال وأسجل الحلقات التي تفوتني، وأستطيع في نهاية كل موسم رمضاني أن أقول إني شاهدت أهم الأعمال السورية والمصرية. لكن منذ اليوم الأول صار عندي إحساس بأنني أشاهد إعادات لأعمال سابقة. قد أكون مخطئاً، لكن واقع التغيير والتحول الحاصل جعلني بعيداً عن طقسي الرمضاني السنوي.
عندي أمل بكتابة جديدة وحكايا جديدة وأساليب مختلفة تستطيع أن تجذب المشاهد إليها. قد يكون الخروج من الطقس الرمضاني أحد الحلول. قد يكون الفيلم، أو الحلقات القليلة. وقد تتم الاستفادة من تجارب شباب الثورة بالخاطرة القصيرة المعبرة. لا أدري، لكن تكرار الحكايا والأساليب لا أعتقد أنه سيستعيد الجمهور. بالطبع صناع الدراما حكواتية العصر، وهذا لن يتغير، لكن الجرأة، الخروج من النمط المتفق عليه، البحث عن عمق الحكايا دون خوف، دون رقيب، سيعيد للدراما التلفزيونية ألقها. خاصة بعد التطور الرقمي التقني الهائل والقدرة على استخدام اللغة السينمائية الراقية بشكل أوسع في العمل التلفزيوني، فالسينما نفسها ودعت شريط الـ35 ملم إلى الأبد. وهذا كان موضوع غلاف المجلة الفرنسية الشهيرة «دفاتر السينما» لهذا الشهر

كمخرج سينمائي وتلفزيوني لا بد من السؤال عن الجديد في المشهد الإعلامي، وأعني الصور الملتقطة عبر الموبايل على الأرض. أي جماليات تجدها في تلك الصور؟ ماذا كنت تقول لنفسك حين يقال إن تلك الصور مفبركة؟

منذ اللحظة الأولى للربيع العربي، وبتوارد الصور من تونس ومصر، أحسست بأن شيئاً مهماً قد تغير في طبيعة العمل السينمائي والتلفزيوني. وأصبحت مشاهد المتظاهرين الذين يتحدون الموت تثير أسمى العواطف، وصورة رجل في الشارع الخالي في تونس يصيح: «بن علي هرب»، أو ذاك الذي مرر يده على شيبته وهو يقول «هرمنا»، أو الشاب المصري الواقف أمام رشاش الماء ثابتاً، أو ذاك الذي فتح صدره للرصاص في حارة شعبية فلم يتوانَ الأمن عن قتله. كلها صور حفرت عميقاً في الذاكرة العربية. والفضل يعود فيها لوسائل البث السمعي البصري الحديثة، التي وثقتها ونقلتها للجمهور العربي الذي رددوا على مسامعنا طويلاً أنه يريد (الهشك هشك) فقط. لكن صور سوريا التي غاب عنها الإعلام المتخصص كانت بالنسبة لي تحمل تغييراً جوهرياً في المشهد. فمع تقدم الانتفاضة وتطورها تطور حاملو كاميرات الهاتف النقال ليسجلوا لحظات يصعب حتى على المحترفين التقاطها. فمنظر دخول الدبابات للحويقة في دير الزور مصور بجمالية عالية، وأستطيع أن أقول بحب فراتي غامر، جعل دخول الآلية العسكرية خرقاً للجمال والدعة والسكينة التي تفرضها روعة المكان. ومشاهد التمايل الشعبي على (سكابا) بالنسبة لي إبداع متفوق، لا يسعني فيه إلا تحية «زملائي من السينمائيين الجدد»، الذين تعلموا في معهد لا يشبه أي معهد في العالم. تعلموا في معهد «وضع الروح على الكف». فمن أين تأتي الفبركة؟

السينما هاجسي

فيلمك «الليل الطويل»، أعني الفيلم الذي كتبت له السيناريو وأخرجه حاتم علي، ويتحدث عن سجناء سياسيين، دار العالم من دون أن يعرض في بلده، أي عوائق رقابية حالت دون ذلك؟ وكيـــف ترى ذلك الفيلم اليوم في ظل المستجد الســوري؟ هل هو نوع من وثيقة على ذلــك الزمن على سبيل المثال؟

حاز الفيلم تسع جوائز عالمية بينها ذهبية تاورمينا في إيطاليا وذهبية نيودلهي، وعرض داخل المسابقة في العديد من المهرجانات العالمية. وآخر عرض له كان منذ شهر تقريباً في باريس ضمن تظاهرة ربيع السينما العربية. وفي كل مكان عرض فيه الفيلم اعتبر معبراً عن إرهاصات الربيع العربي. ونقاشه في باريس دار حول الرؤية المبكرة لهذا الربيع حيث يطرح قضية الإصلاح، من خلال تصويره ليلة خروج أربعة سجناء مع بداية ربيع دمشق. ويقدم الفيلم تفاوت رأي الشخصيات تجاه الإصلاح بين المؤمن به والمتشكك وأخيراً اليائس منه، والذي تبقيه السلطة في السجن، وهو المثقف المسرحي الذي يردد مونولوج جنون لير وحيداً في الزنزانة التي قضى فيها عشرين عاماً مع رفاقه الخارجين إلى عالم غادروه منذ ذلك الزمن البعيد. عالم تغير كثيراً وتعود أهله العيش دونهم بمن فيه أبناؤهم وأسرهم المنتظرة، وغير المنتظرة. عرضنا الفيلم على الرقابة في مؤسسة السينما فكان جوابها مديحاً للفيلم دون قرار بعرضه، ورفع أمره لجهات عليا لم تبت به حتى اليوم. لكنني سعيد بكتابتي وإنتاجي هذا الفيلم، وفخور بالرؤية الإخراجية المميزة للصديق الموهوب حاتم علي ولطاقم التمثيل والتصوير والموسيقى والمونتاج وبقية الطاقم الفني، الذي قدم جهداً كبيراً بميزانية ضئيلة وأيام تصوير قليلة نسبياً. وأعتقد أن الفيلم يمكن أن ينتمي إلى سنوات المخاض المضني لولادة الربيع العربي، أو هكذا عومل في عروضه منذ بدء ثورة تونس حتى اليوم

لا بد أن استبداد أربعة قرون في سوريا حرمك من المخرج الذي كنت تريد. أي موضوعات وأشكال حرمت منها كمخرج؟ هل هناك ما أملتْه عليك اليوم هذه الثورة من مشاريع سينمائية أو تلفزيونية؟

لا أعتقد أنني حرمت تماماً من «المخرج الذي كنت أريد» فقد قضيت الأربعين عاماً الماضية في صراع مع الرقابة وابتداع وسائل للتحايل عليها. وقد اضطررت في نهاية السبعينيات لترك السينما والانتقال إلى الدراما التلفزيونية بسبب توقف العمل السينمائي في التلفزيون، حيث كنت أعمل، لأن الإدارة اكتشفت منذ السنوات الأولى لعمل مجموعتنا النفس المعارض في أعمالنا فأوقفت دائرة الإنتاج التلفزيوني وضيقت الحصار علينا. حتى أن وزير الإعلام الراحل أحمد اسكندر أحمد، المستاء وقتها من أفلامنا، هددنا قائلاً: «أنتم جميعاً عازفون في أوركسترا تعزف لحناً واحداً هو فكر حزب البعث العربي الاشتراكي». وحين حاججناه بالمنطلقات النظرية أضاف: «فكر حزب البعث كما أراه أنا». وهكذا مع ندرة الفرص السينمائية توجهت إلى الدراما التلفزيونية، وعملت في عدة دول عربية ثم عدت إلى سوريا منتصف الثمانينيات، لتبدأ معركة إنشاء صناعة درامية تلفزيونية سورية حققت لي الكثير من طموحاتي مخرجاً ومنتجاً بصراع مرير مع رقابات ألجأتني إلى المواربة وعدم المباشرة، لكنها أعطتني فرصة لإيجاد صيغ فنية فرضت بالنتيجة احتراماً حتى على الرقابات العربية المتشددة. وقد سعدت بتحقيقي بعض ما أريده في وسيلة ذات تأثير كبير هي الدراما التلفزيونية. لكن السينما ظلت هاجسي واستطعت أن أخلق اختراقاً معقولاً في مجال السينما في السنوات الأخيرة منتجاً وكاتباً ومخرجاً. وهنا من جديد اصطدمت بالرقابة وشح التمويل. لكن مسار الصراع من أجل إيصال موقفي الديموقراطي الاجتماعي، والتأكيد على فكرة النهضة المجهضة أرضى عندي بعض الطموح وساعدني كمخرج على الوصول إلى بعض ما كنت أصبو إليه من مكانة. وبالطبع في ظروف أفضل في مجال الحريات سيستطيع جيل قادم من السينمائيين تحقيق نهضة للسينما، أتمنى أن تتحقق في بلدي حتى لو قام غيري بذلك فتلك سنة الحياة
أما عما غيّرته الثورة في توجـــهي الفني، فأكتفي بالقول إني كتـــبت سيـــناريو فيلمي «حي الورد» قبل الثورة، وأنا الآن أعيـــد كتابته بالكامل. كما أن المسلــسل الذي أكتبه منذ سنة بدأ تلقائياً يتحرك باتجــاه الجرأة الأكبر، وراح الربيع العربــي يتســلل إليه ليتصدر في لحظات الواجهة. أليست الدعوة الأولى للثورة هي الحرية؟
(دمشق)

السفير الثقافي – 18/11/2011
http://www.assafir.com/WeeklyArticle.aspx?EditionId=2006&WeeklyArticleId=85128&ChannelId=11263&Author=راشد-عيسى


Inscrivez-vous à notre newsletter