الوعي بين الاختلاق والتمعّن – سلام كواكبي

Article  •  Publié sur Souria Houria le 8 septembre 2015
Article_20150907

29/8/2015

كما البعض من الباحثين العرب وغير العرب، عارضت مبكراً تصنيف الاحتجاجات العربية التي تمخضت عن بعضها ثورات وحروب، على أنها « ثورات فيسبوك » أو سواها من وسائل التواصل، كما كان يحلو للبعض من الزميلات والزملاء مغرباً ومشرقاً في حقل العلوم السياسية وعلوم التواصل أن يسميها. ولقد حفلت السنوات الأخيرة بالكثير من الدراسات والأوراق البحثية، وحتى الأطروحات العلمية، التي تُجمع في خلاصاتها على أن وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً الفيسبوك، قد لعبت دوراً أساسياً في إطلاق وتحريك وتشجيع وتعزيز التحركات الشبابية والتجمعات الشعبية والاحتجاجات الجماهيرية

كان الغالب في كتابة هذه الأبحاث، هو الانطلاق من نظرية، لإيجاد أو ترتيب أو « تزبيط » واقعٍ لها. وقد تكررت هذه الممارسة كثيراً في حقول العلوم الاجتماعية الواسعة، حيث يحضر الباحث مع نظرية لها ابعادها ومفاهيمها وتعاريفها ومنهجيتها، ويبحث لها على أرض الواقع عن مقومات الاثبات وسبل التحقق، وليس العكس

مدارس متعددة تواجهت في العلوم الاجتماعية عموماً، توضّح هذه الثنائية القطبية التي تحفّز على المواجهة بين حاملي النظريات والباحثين عن تأكيدها على أرض الواقع من جهة، والمنطلقين من دراسات الحالات للبحث عن نظريات تلائمها من جهة أخرى. ولقد دعت فئة لا بأس بها من العاملين في هذا الحقل الى حل وسط يُشجع على الدمج بين الاتجاهين. ويتم ذلك من خلال أن يعمل الباحث على موضوعه مُتسلّحاً بالنظريات اللازمة ومشبعاً بتجارب الآخرين، ساعياً أن يجد في ضالته تعديلاً لها أو تقويماً أو نفياً أو تأكيداً

بالمقابل، تخندق بعض الباحثين العاملين على الحركات الاحتجاجية الجارية في الدول العربية، وحسموا بأن وسائل التواصل الاجتماعي هي عامل أساس، بل ومحدد، لنشوء وتوسع وتطور ومجاراة ما تشهده الساحة العربية. وستوضح الأيام، بل ربما السنوات، بأن هذا الجزم مبالغٌ فيه بشدة، وبأن العوامل الأساسية مختلفة شديد الاختلاف عن هذا العامل الفرعي أو المؤثر الجانبي أو المُحفّز الثانوي. ويكفي مثلاً التمعن قليلاً في الأرقام المتكررة، والموزعة بشكل لا بأس به، والمتمخضة عن عديد الدراسات المرتبطة بالبيئة التنموية التي تعيش فيها مجمل المنطقة من حيث الوصول الى وسائل التواصل الحديثة والأمية الالكترونية للتواضع في عملية الحسم هذه

في خضم هذا النقاش المنهجي وفي حضرة المدرستين، برز خطاب « علمي » يُنبئ بالخطر حيث يعتمد كلياً على ما تنتجه وسائل التواصل الاجتماعي. ولم يكن يخطر على بال كل ذي بال بأن الفيسبوك سيصبح مصدراً علمياً وعالماً كما المراجع المكتوبة على الورق أو حتى في المنصات الافتراضية. وربما يكون هذا التوجه مقبولاً من « العامة » أي من قبل من هم ليسوا بأهل الاختصاص. ويمكن أن يعتمد الانسان العادي هذه « السلطة » الافتراضية ليُسند اليها استنتاجاته أو استخلاصاته أو مواقفه التي يتبادلها على ناصية مقهى أو في سهرة عائلية. ويمكن أيضاً أن تساهم هذه الوسيلة التواصلية في نشر المعلومة أو تحفيز النقاش المقتضب حولها. أما أن يغدو هذا « المارد » المهيمن على النشاطات الذهنية لملايين البشر يومياً هو المصدر الأساس والذي يُبنى عليه الاستنتاج والتحليل والتوضيح والتفسير والتموقع، فأعتقد، وبتواضع شديد، بأننا سندخل في مرحلة تراجع فكري متدحرج وتسطيح علمي متفجر وتسفيه منطقي متضخم

وحتى أخرج من النظري في الكلام، سأستعرض بعضاً من الأمثلة الصارخة والتي تمثل نقطة في بحر ما يتم تداوله يومياً. فبعد سنوات من المفاوضات السرية والعلنية، تُعيد الولايات المتحدة علاقاتها مع كوبا وتبدأ الاجراءات المتعارف عليها من عملية بناء الثقة الدبلوماسية والاقتصادية وحتى السياحية. فيعمل الباحثون والمحللون جدياً أو بشكل متسرع لفهم ما يعتبره البعض انقلاباً في السياسة الأميركية وما يعتبره آخرون انفتاحاً طبيعياً تفرضه المعطيات الجيوسياسية في منطقة الكاريبي. كما يمكن أن يُحيله البعض الآخر إلى منطق الدبلوماسية الأوبامية التصالحي والباحث عن مواقف استعراضية وتاريخية. في هذا الوقت، يقوم البعض ممن لا يشغل باله بالكثير من القراءة المؤذية للصحة، بتداول صورة منشورة على صفحة أحدهم على الفيسبوك وتحمل قولاً منسوباً للزعيم الكوبي فيديل كاسترو في سبعينات القرن الماضي يذكر فيه بأنه « سيأتي يوم في المستقبل رئيس أسود الى اميركا وبابا من أميركا الجنوبية في الفاتيكان لتعود العلاقات مع هافانا »

ربما تدفع هذه الجملة على الابتسام أو التندر بألمعية مخترعها من حيث حسه الفكاهي، إلا أننا، وبحذر مفقود، نتداولها وكأنها قولٌ مُثبت، ونكاد نذكر مصدراً وهمياً، ونبني على الشيء مقتضاه. فيهرع مريدو صفحات الفيسبوك الخاملين إلى ابراز هذا القول العظيم وبناء الاستنتاجات « المُعادية للامبريالية » عليه. لا يسأل أحدٌ من متداولي هذا « الصنف » من المعلومات عن حقيقته او معقوليته أو منطقيته. بل على العكس، ينشرح المعلقون في تعليقاتهم وإبراز خمولهم الذهني ونقص التروية الثقافي الذي يعانون منه

وفي مكان آخر، يتداول الفيسبوكيون حواراً خيالياً بين طاغية عربي راحل ومسؤول غربي، يُفضل أن يكون أميركياً حتى يكون وقع الخيال أكبر. ويتبين من خلال هذا الحوار شدة بأس الطاغية و »شجاعته » في الدفاع عن « قضايا وعقائد » المنطقة أمام خذلان وحرج وتراجع وتضعضع المسؤول أمامه من الدولة ذات الأطماع « الاستعمارية والتوسعية والامبريالية ». « تنطرش » الصفحات وتنهمر التعليقات التي تُشيد بطاغية وتورد فيما تورد مواقف متُخيلة أخرى تملئ بها الصفحات دون « رادعٍ » منطقي أو تاريخاني أو توثيقي

أما بخصوص استعمال الصور وتداولها، فحدّث ولا حرج. حيث لم تعد هناك حاجة لبرامج التحوير والتلاعب بالصور، ويمكن أن يكون التعليق هو المتلاعب الأساسي وليست الصورة نفسها. فمن الممكن مثلاً أن تجد صورة يعود تاريخها الى ثميانيات القرن المنصرم، ويظهر من خلالها حدثٌ موثّق وأشخاص معروفون بالأسماء، أما التعليق، فيسرد خيالاً روائياً مختلفاً ومختلقاً عن واقعة لا علاقة لها أبدا بمعاني الصورة وتشير الى حدث جرى في تاريخ يسبق الصورة بعقود. فتتدخل، سذاجة واضاعة للوقت، بأن تنبه من ينشر هذه الصورة الصحيحة والتعليق غير الصحيح، معتقداً بأنه سيتنبه الى الخطئ، وجلّ من لا يُخطئ، فيجيبك بالإصرار الحاد مؤكداً على ان تعليقه دقيق وبأن ما أوردته أنت من تفاصيل لها علاقة بالمكان والأشخاص وانوع الألبسة، وحتى ماركة السيارات الموجودة، هو الذي تنقصه الدقة. وتأسف، ليس لأنك أضعت وقتاً في النقاش حول هذا الأمر، ولكن لأنك تهتم بمن تناقشه وتحترم

هذا يدفعنا إلى التمييز بين ناشري الصور والتعابير على عواهنها، وبين « النخبة » البحثية والفكرية والثقافية التي وقعت في فخ السرعة والتسرع الالكتروني، وصارت تنشر ما لايحمد عقباه منهجياً من أخبار أو تعابير أو صور أو فيديوهات، وهي لا تمت للحقيقة بصلة أو أنها من عمل من لا عمل له من الباحثين عن تمضية الوقت باي ثمن مهما انخفض

وكما سبق ذكره، فالفكاهة محمودة كما التسلي، أما أن نتوسع في استخدامها والرجوع والاستناد إليها في تحليلاتنا الجدية، فهو الخطر الذي لا مناص من انتقاده. كما أننا نشهد في الأونة الأخيرة، بعض المقالات الصحفية التي يكتبها باحثون أو صحفيون جادون، يعتمدون في صلبها على مواد فيسبوكية أو أخبار تويترية

تطور وسائل الاعلام والتواصل يُساعد على سرعة الحصول على المعلومة شريطة أن يترافق مع وعي كامل بأن هذا المجال صار مفتوحاً بإيجابياته وسلبياته. صار مصدراً مفيداً في أحيان، ومشوهاً حقيقياً للمعرفة وللتفكير في أحيان كثيرة أخرى

source : https://www.alsouria.net/content/الوعي-بين-الاختلاق-والتمعّن



Inscrivez-vous à notre newsletter