من قتل وسام الحسن؟ – الياس خوري

Article  •  Publié sur Souria Houria le 23 octobre 2012

لم يشكك الا اعداء وسام الحسن السياسيون في حقيقة ان قاتل رئيس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي هو النظام السوري، وان مقتل الحسن يأتي في سياق صراع النظام السوري من اجل البقاء.
لن اسأل لماذا شكك اعداء الرجل والذين طالب بعضهم بقتله علنا وامام عدسات الاعلام، بهوية قاتله، فهذا تقليد لبناني يقول بأن اسرائيل تقتل معارضي النظام السوري في لبنان! وهو جزء من ‘عدة النصب’ التي تبرر كل شيء باسم مواجهة العدو الاسرائيلي!
بعيدا عن جدل عقيم تلهّت به بعض وسائل الاعلام التي اكتشفت في الرجل ميزة انه كان الصائد الاكبر لشبكات التجسس الاسرائيلية في لبنان، يجدر بنا العودة الى المقولة الشهيرة التي اطلقها حافظ الأسد عن العلاقات السورية-اللبنانية والتي لخصتها عبارته الشهيرة: ‘شعب واحد في دولتين’. والحق يقال انني من اشد المعجبين بهذه العبارة، فهي لامعة ومعبرة وتختصر في اربع كلمات تاريخا طويلا.
لكن العبارة ناقصة، فاكتشاف النظام السوري لحقيقة الشعب الواحد ودولتيه جاء بعدما قامت الحرب الاهلية بتحويل لبنان الى شبه دولة. اي ان الرئيس السوري افترض ان عبارته تبرر الحاق شبه دولة تمزقت هي لبنان بدولة متماسكة يقودها حاكم ابدي هي سورية.
على هذه القاعدة بنيت العلاقات المميزة بين الدولة السورية وشبه الدولة اللبنانية. وهي علاقات ترسخت عبر اساليب متعددة استخدمها النظام، كان الاغتيال السياسي اداتها الأكثر فاعلية. من اغتيال كمال جنبلاط الى اغتيال رينيه معوض، ارتسمت معالم السياسة التي تعلن وحدة الشعبين في دولتين.
في الماضي، اي في العصر الذهبي للهيمنة، حين كان النظام الأسدي ينعم بالغطائين السعودي والامريكي، كان اللجوء الى سلاح الاغتيال مقننا. اذ كان الاغتيال يتم في لحظة مفصلية، محددا ضحاياه بدقة جراحية ولم يكن اداة عشوائية. اذ ترك الاسد الأب لحاكم لبنان انذاك السيد غازي كنعان مهمة حصد نتائج الاغتيال عبر تركيع السياسيين اللبنانيين، وعبر سيف الخطف والاعتقال الذي طاول مئات من اللبنانيين والفلسطينيين.
لكن الأمور اتخذت مسارا آخر بعد اغتيال رفيق الحريري. لم يتوقع الأسد الابن سوى الجواب اللبناني التقليدي اي الخوف وكظم الغيظ والخنوع. وعندما اجبرته انتفاضة اللبنانيين على اخراج جيشه من لبنان، قرر ان يحول الاغتيال من عملية جراحية موضعية الى سياسة عامة. فصار الاغتيال هو اداته الرئيسية، وسقط المثقفون والقادة السياسيون والعسكريون والنواب ضحايا تحويل لبنان الى جدار اعدام.
مرحلة ما بعد الخروج من لبنان اقتضت تحالفات اقليمية جديدة، وتركيزا على الخطاب الممانع والمقاوم، واستنفارا للعصبيات الطائفية في لبنان عبر وضع الشيعية السياسية التي تحولت الى قوة سياسية وعسكرية ضاربة في مواجهة السنية السياسية، التي افتقدت باغتيال رفيق الحريري الى القيادة المتماسكة.
بدا ان السياسة الجديدة التي اتبعها الاسد الابن ناجعة، فلقد نجح حزب الله في استثمار انتصاره المشهود في حرب تموز/يوليو 2006 من اجل قلب المعادلة السياسية اللبنانية وصولا الى طرد السنية السياسية من السلطة عبر سياسة الترهيب التي اوصلت الى تشكيل حكومة السيد نجيب ميقاتي.
اللافت ان الاغتيالات توقفت بعد تغيير معادلة السلطة، وبدا ان لبنان في طريقه الى العودة من جديد الى معادلة شبه الدولة، التي تهيمن عليها الدولة الابدية في سورية الأسد.
هل يمكن وضع اغتيال وسام الحسن في هذا السياق؟
ربط العديد من المحللين بين اغتيال الحسن ومسلسل الاغتيالات التي بدأت مع اغتيال رفيق الحريري، وهذا خطأ فادح. فالاغتيال الجديد يملك سياقا مختلفا بشكل جذري، لأنه يأتي في خضم الثورة السورية.
لم يعد لبنان وحده شبه دولة، اذ حوّل جنون السلطة الأسدية سورية ايضا الى شبه دولة، وهنا تقع المسألة.
النظام الأسدي في الدفاع المطلق عن وجوده داخل سورية. فلقد انحسرت سلطته على الاراضي السورية بشكل مثير، وبدا كمن يضرب خبط عشواء، يدمر المدن ويحرق الحقول ويجرف البيوت ويقتل بلا هوادة.
لكنه عاجز عن الانتصار، ويشعر انه محشور الى درجة لا سابق لها، وهو يعرف في قرارة نفسه ان خروج ملايين السوريين والسوريات من قمقم القمع لا عودة عنه.
اغتيال وسام الحسن يأتي في سياق هذه الحرب. فلقد سبق للأسد ان لوح بأن سقوطه سوف يعني تفجير المنطقة، فالتفت الى حديقته الخلفية في لبنان، كي ينفذ تهديداته فلم يستطع حتى الآن.
ليس هدف النظام السوري اليوم الهيمنة على لبنان كما في السابق، بل هو يلجأ الى اللعب بلبنان كي يتجنب السقوط في سورية.
حاول ان يجند آلة الاعلام الايديولوجية الممانعة والمرتبطة بانجازات حزب الله العسكرية فلم تنفعه، اوحى من خلال مندوبه في الامم المتحدة بانتهاكات لبنانية لحدود سورية فلم تزبط، لجأ الى حكاية جبل محسن وباب التبانة في طرابلس ففشل، ارسل متفجرات ميشال سماحة فتبهدل!
اغتيال وسام الحسن ليس حائط اعدام كما في السابق انه الحرب. وهناك فرق نوعي بين المسألتين.
ما يسعى اليه النظام السوري هو الايحاء بأنه قادر على اعادة لبنان الى مربع الحرب الأهلية الأول، لذا قتل الحسن في سياق حرب بين الاجهزة الأمنية، وكي يرهب الجميع، لأن من تجرأ على مستشار الرئيس السوري ميشال سماحة ووجه مضبطة اتهام ضد علي المملوك يجب ان يموت كي ينفتح الباب مجددا امام لعبة الابتزاز الأمنية التي لا يتقن النظام الأسدي سواها.
لكن النظام الذاهب الى الهاوية يعلم ان ادواته اللبنانية صدئة ومهترئة، وانه من دون توريط حزب الله في المعركة بشكل مباشر فلن تكون هناك معركة.
والسؤال موجه الى قيادة الحزب والقيادة الايرانية، فالقرار صار هناك ولم تعد دمشق سوى احدى ساحاته. هل يفرط الايرانيون بفائض القوة الاستراتيجي الذي يملكونه، ام ان خدماتهم ودعمهم للنظام السوري من لبنان ستبقى ضمن حدودها الحالية؟
اشارة
لم يتوقع احد ان يكون الاداء السياسي لقوى 14 آذار التي يتزعمها سعد الحريري بهذه الهشاشة والخفة في قيادتها للتشييع الشعبي لوسام الحسن. خطاب فؤاد السنيورة كان انفعاليا والدعوة الى الزحف لاسقاط رئيس الحكومة في السرايا كانت حماقة.
قاد الارتباك وفراغ القيادة وضمور العقل السياسي الى رعونة تكاد ان تفقد قوى المعارضة قدرتها على المناورة السياسية، وتسقطها في الفخ الذي نصبه قتلة وسام الحسن للبنان.
لا يعاني لبنان من السلطة الحكومية التي ترتهن اكثرية قواها للخارج ويسود بعضها مركّب العظامية فقط، بل يعاني ايضا من معارضة ورثت انتفاضة الاستقلال وتقوم بتبديد الارث كل يوم، بسبب ارتهان الى خارج آخر من جهة، وخفة سياسية مروعة من جهة اخرى.
حرام ان يضيع دم الشهداء كما يضيع كل شيء في هذا الوطن الناقص.

http://alquds.co.uk/index.asp?fname=data\2012\10\10-22\22qpt998.htm&arc=data\2012\10\10-22\22qpt998.htm



Inscrivez-vous à notre newsletter